الذهبي
487
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
ذات البين ، وخرج بهم إلى الصحراء ومعه سائر الحيوانات ، وفرّق بينها وبين أولادها ، فوقع البكاء والضّجيج ، وأقام على ذلك إلى نصف النّهار ، ثم صلّى وخطب ، ولم يذكر الوليد ، فقيل له : ألا تدعو لأمير المؤمنين ؟ فقال : هذا مقام لا يذكر فيه إلّا اللَّه ، فسقوا حتى رووا وأغيثوا [ ( 1 ) ] . قال أبو شبيب الصّدفيّ : لم نسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير [ ( 2 ) ] . وقيل : إنّ موسى تمادى في سيره بأرض الأندلس مجاهدا حتى انتهى إلى أرض تميد بأهلها ، فقال له جنده : إلى أين تريد أن تذهب بنا ، حسبنا ما بأيدينا ! فرجع وقال : لو أطعتموني لوصلت إلى [ ( 3 ) ] القسطنطينيّة . ولما افتتح موسى أكثر الأندلس رجع إلى إفريقية وله نيّف وستّون سنة ، وهو راكب على بغل اسمه « كوكب » وهو يجرّ الدّنيا بين يديه جرّا ، أمر بالعجل تجرّ أوقار الذّهب والجواهر والتّيجان والثياب الفاخرة ومائدة سليمان ، ثم استخلف ولده بإفريقية ، وأخذ معه مائة من رؤساء البربر ، ومائة وعشرين من الملوك وأولادهم ، وقدم مصر في أبّهة عظيمة ، ففرّق الأموال ، ووصل الأشراف والعلماء ، ثم سار يطلب فلسطين ، فتلقّاه روح بن زنباع ، فوصله بمبلغ كبير ، وترك عنده بعض أهله وخدمه ، فأتاه كتاب الوليد بأنّه مريض ، ويأمره بشدّة السّير ليدركه ، وكتب إليه سليمان بن عبد الملك يبطّئه في سيره فإنّ الوليد في آخر نفس ، فجدّ في السّير ، فآلى سليمان إن ظفر به ليصلبنّه ، وأراد سليمان أن يبطّئ ليسلّم ما جاء به موسى ، فقدم قبل موت الوليد بأيام ، فأتاه بالدّرّ والجوهر والنفائس وملاح الوصائف والتّيجان والمائدة ، فقبض ذلك كلّه ، وأمر بباقي الذهب والتقادم فوضع ببيت المال ، وقوّمت المائدة بمائة ألف
--> [ ( 1 ) ] وفيات الأعيان 5 / 319 - 320 . [ ( 2 ) ] وفيات الأعيان 5 / 319 . [ ( 3 ) ] « إلى » ساقطة من الأصل .